الجواد الكاظمي

217

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

تعينه على أمر دنياه وآخرته فقد أوتي في الدّنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، ووقى عذاب النّار ، وعن علىّ ( 1 ) عليه السّلام أنّها المرأة الصّالحة في الدّنيا وفي الآخرة الجنّة . « وقِنا عَذابَ النَّارِ » بالعفو والمغفرة أو جنّبنا عن المعاصي المؤدّية إلى النار ويروى عن علي عليه السّلام أنّ عذاب النار امرأة السّوء ( 2 ) . « أُولئِكَ » الدّاعون بالحسنتين وهم الفريق الثاني وقيل هو إشارة إليهما معا « لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا » أي من جنسه وهو جزاؤه أو من أجله كقوله : « مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا » ( 3 ) والكسب ممّا يناله المرء بعمله ، ومنه يقال للأرباح إنّها كسب فلان أو المراد ممّا دعوا به نعطيهم منه قدر ما يستوجبونه ، بحسب مصالحهم في الدّنيا واستحقاقهم ، وسمّي الدّعاء كسبا لأنّه من الأعمال ، وهي موصوفة بالكسب . « واللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » يوشك أن يقيم القيامة ، ويحاسب العباد على أعمالهم فبادروا بإكثار الذّكر وطلب الآخرة بفعل الحسنات ، أو المراد أنّه يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة أو أقلّ ، ولذلك ورد في الخبر أنّه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة ، أو المراد أنّه سريع المجازات للعباد على أعمالهم ، وأنّ وقت الجزاء قريب ، فجرى مجرى قوله : « وما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ » ( 4 ) . وعبّر عن الجزاء بالحساب لأنّ الجزاء كفاء للعمل وبمقداره ، فهو حساب له ، ففي الآية ترغيب على الدّعاء والإكثار من ذكر اللَّه ، وطلب الحوائج منه تعالى للدّنيا والآخرة في المواطن المشرّفة ، وفيها أيضا ترهيب عن فعل المعاصي حيث إنّه تعالى يحاسب العباد على أعمالهم حسنه وقبيحة ، في لمحة واحدة ، ويجازيهم على ما كسبوا ، ومن هذا شأنه فليرهب منه . وقد يستدلّ بها على أنّه تعالى ليس بجسم وأنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى

--> ( 1 ) رواه في المجمع ج 1 ص 298 . ( 2 ) الكشاف عند تفسير الآية ج 1 ص 248 ط دار الكتاب العربي . ( 3 ) نوح : 25 . ( 4 ) النحل : 77 .